الشنقيطي
363
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فقوله في « الشعراء » : أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ أي فضربه فانفلق - يوضح معنى قوله : فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً ، وقوله : قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ( 61 ) قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 62 ) [ الشعراء : 61 - 62 ] الآية - يوضح معنى قوله : لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله في « الدخان » : فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ ( 22 ) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 23 ) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ( 24 ) [ الدخان : 22 - 24 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقد قدمنا طرفا من ذلك في سورة « البقرة » والقصة معروفة واضحة من القرآن العظيم . وقرأ نافع وابن كثير أَنْ أَسْرِ بهمزة وصل وكسر نون أَنْ لالتقاء الساكنين والباقون قرؤوا أن آسر بهمزة قطع مفتوحة مع إسكان نون « أن » وقد قدمنا في سورة « هود » أن أسرى وسرى لغتان وبينا شواهد ذلك العربية . وقرأ حمزة لا تخف بسكون الفاء بدون ألف بين الخاء والفاء ، وهو مجزوم لأنه جزاء الطلب ، أي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخف . وقد قدمنا أن نحو ذلك من الجزم بشرط محذوف تدل عليه صيغة الطلب ، أي أن تضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخف . وعلى قراءة الجمهور « لا تخاف » بالرفع ، فلا إشكال في قوله ولا تخشو لأنه فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف ، معطوف على فعل مضارع مرفوع هو قوله : لا تَخافُ . وأما على قراءة حمزة لا تخف بالجزم ففي قوله وَلا تَخْشى إشكال معروف ، وهو أنه معطوف على مضارع مجزوم ، وذلك يقتضي جزمه ، ولو جزم لحذفت الألف من تَخْشى على حد قوله في الخلاصة : والرفع فيهما انو واحذف جازما * ثلاثهن تقض حكما لازما والألف لم تحذف فوقع الإشكال بسبب ذلك . وأجب عنه من ثلاثة أوجه : الأول - أن وَلا تَخْشى مستأنف خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : وأنت لا تخشى ، أي ومن شأنك أنك آمن لا تخشى . والثاني - أن الفعل مجزوم ، والألف ليست هي الألف التي في موضع لام الكلمة ، ولكنها زيدت للاطلاق من أجل الفاصلة ، كقوله : فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ( 67 ) [ الأحزاب : 67 ] ، وقوله : وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) [ الأحزاب : 10 ] . والثالث - أن إشباع الحركة بحرف مد يناسبها أسلوب معروف من أساليب اللغة العربية ، كقول عبد يغوث بن وقاص الحارثي : وتضحك مني شيخة عبشمية * كأن لم ترا قبلي أسيرا يمانيا وقول الراجز :